الغزالي
117
إحياء علوم الدين
في الدخول ، ومن تكثيره سواد الظلمة بنفسه ، وتجميله إياهم إن كان ممن يتجمل به . وكل ذلك إما مكروهات أو محظورات [ 1 ] دعي سعيد بن المسيب إلى البيعة للوليد وسليمان ابني عبد الملك بن مروان ، فقال لا أبايع اثنين ما اختلف الليل والنهار ، فإن النبي صلَّى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين . فقال ادخل من الباب واخرج من الباب الآخر . فقال لا والله لا يقتدى بي أحد من الناس . فجلد مائة ، وألبس المسوح ولا يجوز الدخول عليهم إلا بعذرين : أحدهما : أن يكون من جهتهم أمر إلزام لا أمر إكرام ، وعلم أنه لو امتنع أو ذي أو فسد عليهم طاعة الرعية ، واضطرب عليهم أمر السياسة فيجب عليه الإجابة ، لا طاعة لهم ، بل مراعاة لمصلحة الخلق حتى لا تضطرب الولاية والثاني : أن يدخل عليهم في دفع ظلم عن مسلم سواه ، أو عن نفسه ، إما بطريق الحسبة أو بطريق التظلم . فذلك رخصة ، بشرط أن لا يكذب ولا يثنى ، ولا يدع نصيحة يتوقع لها قبولا ، فهذا حكم الدخول الحالة الثانية : أن يدخل عليك السلطان الظالم زائرا فجواب السلام لا بد منه . وأما القيام والإكرام له فلا يحرم مقابلة له على إكرامه . فإنه بإكرام العلم والدين مستحق للإحماد كما أنه بالظلم مستحق للإبعاد ، فالاكرام بالاكرام ، والجواب بالسلام . ولكن الأولى أن لا يقوم إن كان معه في خلوة ليظهر له بذلك عز الدين وحقارة الظلم ، ويظهر به غضبه للدين ، وإعراضه عمن أعرض عن الله فأعرض الله تعالى عنه . وإن كان الداخل عليه في جمع ، فمراعاة حشمة أرباب الولايات فيما بين الرعايا مهم ، فلا بأس بالقيام على هذه النية وإن علم أن ذلك لا يورث فسادا في الرعية ، ولا يناله أذى من غضبه ، فترك الإكرام بالقيام أولى . ثم يجب عليه بعد أن وقع اللقاء أن ينصحه . فإن كان يقارف ما لا يعرف تحريمه . وهو يتوقع أن يتركه إذا عرف ، فليعرفه . فذلك واجب . وأما ذكر تحريم ما يعلم تحريمه من السرف والظلم فلا فائدة فيه . بل عليه أن يخوفه فيما يرتكبه من المعاصي ، مهما ظن أن التخويف يؤثر فيه . وعليه أن يرشده إلى طريق المصلحة إن كان يعرف طريقا على وفق الشرع